- الكاتب/ة : هنري بدروس كيفا
- تصنيف المقال : أبحاث تاريخية
- تاريخ المقال : 2014-05-04
موضوع مهم بنظرنا و لا شك بنظر أكثرية ساحقة من المسيحيين الذين تعود جذورهم الى شرقنا الحبيب .
سأحاول أن أشرح بدقة بعض الكلمات المهمة قبل معالجة هذا الموضوع الحساس .
أولا - جغرافية شرقنا الحبيب التاريخية :
هنالك عدة مفاهيم خاطئة حول تعبير " الشرق " الجغرافي التاريخي !
و أغلبيتها إنتشرت في القرن التاسع عشر بعد إهتمام الدول الأروبية في تاريخ شرقنا الحبيب و أطماعهم الخبيثة في خيراته .
أ- هنالك فكرة رائجة و هي أن الشرق هو الولاية الإدارية أسورستان الفارسية و قد تبنى الحزب القومي السوري هذه الفكرة ونشر تعبير" سوريا الكبرى "!
و طبعا هذه تسمية سياسية خاطئة و ليست تسمية تاريخية لشرقنا الحبيب!
للأسف لا يزال كثير من المسيحيين المشارقة يخلطون بين تسمية سياسية و تسمية تاريخية و عدد كبير لا يزال يتوهم أن " سوريا الكبرى " هي تسمية تاريخية حقيقية !
ب - لقد تبنى العروبيون تسمية حديثة و هي " الهلال الخصيب " !
و بكل تأكيد هذه ليست تسمية تاريخية و لكنها تسمية خاطئة من القرن التاسع عشر تدعي بوجود وحدة جغرافية و سياسية تجمع العرب سكان شبه الجزيرة العربية مع شرقنا القديم .
يروج العروبيون هذا التعبير لأنه يخدم إيديولوجيتهم التي تدعي أن شبه الجزيرة العربية و شرقنا القديم كانتا موحدتين و أن العرب كانوا من سكان الشرق الأصيلين !
ج - ما هو أقدم ذكر لتسمية الشرق و ما هي جغرافيته ؟
*الأشوريون و الكلدان من بعدهم لم يستخدموا تسمية واحدة للإشارة الى الشرق القديم و طبعا لم يستخدموا لفظة " الشرق " في كتاباتهم .
و نفس الملاحظة الى الفرس فإنهم لم يستخدموا تسمية جغرافية موحدة لكل الشرق و هذا واضح من تسمياتهم الإدارية فهنالك مرزبانة أسورستان و مرزبانة بابل و مرزبانة العربية (شبه الجزيرة العربية)!
*لقد وجدنا في المصادر اليونانية القديمة إنها إستخدمت بكثرة تعبير " الشرق " كتسمية جغرافية و لكن من أجل الدقة يجب الإشارة الى أن تعبير " الشرق " و إن كان جغرافيا فهو ظل مبهما لا يشير الى منطقة جغرافية محددة !
*الرومان هم أول من إستخدم تعبير " الشرق " كتسمية جغرافية محددة و قد أخذوه من قدامى اليونانيين و ليس من تسميات شرقية قديمة كسوريا الكبرى أو سوريا الطبيعية الحديثتين !
د - تسمية " الشرق " في الإمبراطورية الرومانية و عند إنتشار المسيحية.
لقد أطلق الرومان تسمية " الشرق " على جميع المناطق التي كانت خاضعة لهم في شرقنا و هي العراق القديم و سوريا القديمة و بيت نهرين ( الجزيرة السورية ) و كيليكيا و إيصوريا !
و طبعا بلاد مصر كانت خاضعة للرومان و لكن تسمية " الشرق " لم تكن تشملها !
فقد كانت تؤلف ولاية رومانية مستقلة ... و يبدو أن الرومان قد تركوا ولاية فلسطين مستقلة عن ولايتي مصر و الشرق و إن كانت خاضعة عسكريا لحاكم إنطاكيا عاصمة الشرق !
لقد تقلص الحكم الروماني بعد الحكم الساساني الذي أبعدهم من مناطق عديدة من العراق القديم !
و كان المسيحيون المشارقة المتحدرين من السريان الآراميين خاضعين الى الإمبراطورية الرومانية في المناطق غربي الفرات و في بيت نهرين / الجزيرة ( شرق الفرات ) بينما كان المسيحيون في العراق القديم خاضعين للحكم الساساني .
بعد مجمع خلقيدونيا سنة ٤٥١م تقرر ضم فلسطين الى ولاية الشرق !
و نحن نعلم من خلال الوثائق الجغرافية المتعلقة ببطريكية إنطاكيا ما هي المناطق التي كانت ضمن " الشرق " ( أنظر الى الخريطة التاريخية المرفقة (.
بعض الملاحظات المهمة
*إن الرومان قد أزالوا التسمية الإسرائلية التاريخية القديمة و أطلقوا تسمية فلسطين الإدارية الجغرافية على المنطقة .
علما أن التسمية التاريخية فلسطو كانت تطلق على منطقة غزة الساحلية فقط !
*لقد أطلق الرومان تسمية " العربية السعيدة " على المناطق الواقعة شرقي نهر الأردن و كانت هذه المنطقة آرامية بسكانها و لغتها لأنها كانت مسكونة لمئات السنين بالأنباط الآراميين !
*للأسف الشديد بعض الباحثين مثل المؤرخ أسد رستم كانوا يؤكدون أن بطريركية إنطاكيا كانت يونانية و عربية و سريانية بسكانها!
وللأسف هذا الرأي هم مخالف للحقيقة التاريخية و قد توهم كثيرون من المسيحيين المستعربين أن شبه الجزيرة العربية كانت ضمن بطريركية إنطاكيا و ضمن شرقنا الحبيب !
*للتذكير فقط أن سكان العربية السعيدة كانوا من الأنباط الآراميين الذين إستعربوا مع الزمن !
فبطريركية إنطاكيا لم تكن عربية بسكانها و العنصر اليوناني كان في بعض المدن و في مناطق كيليكيا الأولى و الثانية و إيصوريا !
*دمشق كانت العاصمة لمنطقة فينيقيا الثانية : هذا لا يعني أن سكان دمشق كانوا من الفينيقيين لأننا نعلم أن هذه المدينة كانت آرامية قبل الرومان و بعدهم بمئات السنين !
التسميات الإدارية لا تغير هوية الشعوب !
ثانيا - من هم المسيحيون المشارقة و ما هي هويتهم التاريخية ؟
سؤال مزعج جدا خاصة للمسيحيين الذين يتوهمون أن هوية المسيحي الذي يعيش في لبنان هي مخالفة لهوية المسيحي الذي يعيش في العراق أو سوريا !
و بكل تأكيد هذا السؤال هو مزعج جدا لكل مسيحي شرقي لا يزال يتوهم أن له جذورا عربية و أن من حقه الطبيعي أن يدعي بعروبيته !
و للأسف بعض رجال الدين لا يزالون يدعون بأن المسيحيين هم عرب بدون برهين علمية !
أ - إمتداد تسمية مسيحيين مشارقة لتشمل إخوتنا الأرمن و الأقباط .
لقد توسع معنى الشرق في المفاهيم الحديثة و صار يشمل – حسب المفاهيم الأوروبية - مصر و إيران و شبه الجزيرة العربية و القوقاز...
أغلبية ساحقة من المسيحيين المشارقة تعتبر الشعب الأرمني و القبطي من المسيحيين المشارقة و هذا أمر طبيعي لأن مفهومنا لتسمية الشرق قد تطور في التاريخ الحديث !
و لكن من أجل الدقة فإن " الشرق " هو المنطقة التي كانت خاضعة لسلطة بطريركية إنطاكيا .
ب - هذا الموضوع ليس موجه الى السريان الذين يؤمنون بإيديولوجيات سياسية حديثة مزيفة لهوية أجدادهم مثل السريان الذين يرددون بدون تحقيق أن جذورهم هي أشورية !
هذه الإدعاءات الكاذبة تسمح لبعض السريان المستعربين في المضي بترديد طروحات عروبية غير علمية !
ج - المسيحيون المشارقة ينتمون الى الكنائس الإنطاكية التاريخية التي إستقلت و إنفصلت عن كنيسة إنطاكيا و بطركيتها و هم ينتمون بأكثريتهم الساحقة الى السريان الآ راميين .
د - لقد إنقسم السريان الى سريان شرقيين نسبة الى نهر الفرات و الى سريان غربيين !
و بعد اعلان الإمبراطور ديوكلسيان البيزنطي أن الديانة المسيحية هي الدين الرسمي في امبراطورته , عمد الفرس الى مضايقة السريان المشارقة مما أجبرهم على الإستقلام عن بطريركية إنطاكيا .
من المؤسف أن أتباع الكنيسة السريانية الشرقية قد إنفصلوا و أسسوا عدة كنائس مع تسميات كلدانية و أشورية حديثة و صار أتباع تلك الكنائس يدعون بهويات أشورية و كلدانية و بعض المتطرفين منهم صاروا يدعون بوجود لغات أشورية و كلدانية قديمة و حديثة!
( للتذكير لا يوجد لغة أشورية و كلدانية لا قديمة و لا حديثة ... السريان المشارقة يتكلمون اللغة السريانية المعروفة بالسورث و لكن تطرفهم يدفعهم الى تسميتها أشورية و كلدانية... (
هؤلاء الإخوة هم أسرى مفاهيمهم الخاطئة و لعلى البرهان الذي يوضح لنا مفاهيمهم الخاطئة هو القديس مار افرام السرياني الذي ولد في مدينة نصيبين عاصمة بيت عرباي الآرامية ( بعض رجال الدين السريان لا يزالون يدعون بجذور عربية لأنهم يتوهمون أن تسمية بيت عرباي تشير الى العرب القدامى !)
في بداية القرن الرابع و لكنه أجبر الى هجر مدينة أجداده و إنتقل الى الرها بعد سقوط نصيبين بيد الفرس سنة ٣٦٣ م!
الشيئ المؤلم أن القديس افرام الذي لقب بالسرياني هو أنه كان يعتبر جميع المسيحيين المشارقة ينتمون الى الآراميين و لا زلنا نرى بعض المتطفلين و المغامرين يعتبرون مار افرام أشوريا أو كلدانيا حسب مفاهيمه الخاطئة !
المصادر السريانية الشرقية تؤكد بشكل قاطع أن جميع مسيحيي العراق كانوا يؤمنون بأنهم سريان آراميين و لكن رجال الدين المعاصرين المنتمين الى هذه الكنائس السريانية لا يملكون شجاعة الأب المؤرخ البير أبونا الذي يؤكد إنتمائهم الآرامي في كتبه و أبحاثه العديدة !
ه - المسيحيون في بلاد سوريا / بلاد آرام القديمة و الجزيرة / بيت نهرين يتحدرون من الآراميين فهذه المناطق كانت آرامية بسكانها بأكثر من ١٥٠٠ سنة قبل إنتشار الديانة المسيحية بينهم !
و - نحن من خلال رابطة الأكادميين الآراميين ( ننتمي الى عدة كنائس سريانية أرثودكسية و كاثوليكية ) دعونا في الماضي الى إعتماد التاريخ الأكاديمي للعودة الى جذورنا الحقيقية !
و هذه الدعوة موجهة الى كل مسيحي مشرقي يريد معرفة جذوره التاريخية الحقيقية !
ز - المسيحيون المشارقة ينتمون بأكثريتهم الساحقة الى السريان الآراميين !
إخوتنا من أبناء كنيسة الموارنة و الروم هم أحفاد السريان الملكيين الذي تبعوا تعاليم مجمع خلقيدونيا بعكس السريان الأرثودكس الذين ناهضوا تعاليمه !
ح - لقد كانت منتشرة فكرة خاطئة في بداية القرن العشرين مفادها أن الشعب السرياني و القبطي و الأرمني كانوا يكرهون الشعب اليوناني و أرادوا الإستقلال من إمبراطوريتهم البيزنطية الظالمة!
و لكنني عندما سافرت الى فرنسا لإعداد أطروحة في جامعة السوربون " حول الأسباب الحقيقية لإستقلال الكنيسة السريانية الآرامية المناهضة لمجمع خلقيدونيا"إكتشفت أن السريان لم يناضلوا ضد اليونانيين من أجل أسباب قومية و لكن من أجل أسباب عقائدية و أن الشعب السرياني قد إنقسم الى قسمين في بطريركية إنطاكيا أي في شرقنا الحبيب :
* "السريان الملكيون " الذين حافظوا على تعاليم مجمع خلقيدونيا !
وهم أبناء كنائس الروم و الموارنة و فيما بعد الروم الكاثوليك و الإنجليين...
" *السريان المناهضون" و هم السريان الأرثودكس و فيما بعد السريان الكاثوليك و السريان الإنجليين !
ملاحظة صغيرة إن تأكيدنا أن هويتنا التاريخية هي سريانية آرامية لا تعني إننا ندعو بإنتمائنا الى عرق آرامي صافي !
لأننا نعلم جيدا إن بقايا شعوب عديدة قد إنصهرت و ذابت ضمن الآراميين أجدادنا !
ثالثا - هل الإدعاء بجذور عربية مزيفة هو خشبة خلاص المسيحيين المشارقة ؟
للأسف الشديد بعض المسيحيين المشارقة , يعيشون في مناطق مسيحية أو تركوا شرقنا الحبيب , لا يشعرون أبدا بما يعاني المسيحي الذي يعيش في العراق أو سوريا أو مصر و بعض الأحيان يوجهون " نصائح مضحكة " من نوع " إذا كنت تريد أن تكون سريانيا أصيلا أترك كل شيئ تملكه في أرض أجدادك في العراق و سوريا و إذهب و قاوم مثل المسيحيين في لبنان !"
المضحك في هذه النصيحة هو أنها تدعو الى إقتلاع الوجود المسيحي في الشرق من أجل تقويته في جزء منه و هو لبنان !
للأسف أن على " مسيحيي لبنان " المثقفين أن يتعلموا من تجاربهم و ضياعهم لهويتهم التاريخية كي يساعدوا مسيحيي الشرق في الحفاظ على مناطقهم التاريخية !
المضحك أيضا أن مسيحيي لبنان ليسوا " مستعدين " لقبول مسيحيي الشرق المضطرين الى هجره !
لقد وجدنا في الآونة الأخيرة أن عددا كبيرا من رجال الدين المسيحيين يجاهرون علنا - و بدون حياء - أن جذورهم هي عربية أو أن المسيحيين يتحدرون من العرب!
يرددون طروحات تاريخية غير علمية حيث يخلطون فيها تاريخ القبائل العربية المسيحية قبيل إنتشار الإسلام و تاريخ الغساسنة المسيحيين!
و في جميع الحالات لا يذكرون شيئا عن تلك القبائل المسيحية العربية بعد الإسلام !
سؤال مطروح هل المسيحيون المشارقة و رجال الدين منهم على الأخص يتوهمون أن " الإدعاء " بوجود مسيحيين عرب اليوم يخدم الوجود " المسيحي " في الشرق؟
الغاية لا تبرر الوسيلة و كل رجل دين من أية كنيسة كان يدعي بوجود مسيحي عربي هو ناكر لجذور أجداده!
قد يكون من حقه أن يكون " مسيحيا مستعربا " أو ناطقا باللغة العربية و لكنه لا يحق له أن يزيف هويتنا السريانية الآرامية التي إذا لم يسمع بها فهو لأنه متطفل على تاريخ الشرق !
المسلم العربي لا يستطيع أن يكون " أصيلا " عندما يكون محاطا- لا سمح الله - ببعض السريان و الأرمن و الأقباط الذين يؤكدون له خوفا منه بأنهم عرب أقحاح !
الإدعاء بوجود هوية عربية مسيحية ليس خشبة خلاص المسيحيين المشارقة بل هو الموت لهم بالتقسيط و على مراحل !
العودة الى جذورهم التاريخية هو خشبة خلاصهم لأنه رفض صريح للعروبة المزيفة و رغبة حقيقية في الحفاظ على هويتهم في كل مكان في العالم !
الى الكهنة الذين يتجاهلون هويتهم التاريخية عن غباء و يتوهمون أن قول المسيح " كونوا ودعاء كالحمام و حكماء كالحيات " لا يشفع بهم عندما يتنكرون لهوية أجدادهم من أجل مراضاة أية سلطة!
الشجاعة الحقيقية هي الدعوة الى دراسة أكادمية لهوية مسيحيي شرقنا الحبيب و ليس في تسريع ذوبانهم في العروبة و إلصاق الهوية العربية غير العلمية في تاريخ أجدادهم !
سأحاول أن أشرح بدقة بعض الكلمات المهمة قبل معالجة هذا الموضوع الحساس .
أولا - جغرافية شرقنا الحبيب التاريخية :
هنالك عدة مفاهيم خاطئة حول تعبير " الشرق " الجغرافي التاريخي !
و أغلبيتها إنتشرت في القرن التاسع عشر بعد إهتمام الدول الأروبية في تاريخ شرقنا الحبيب و أطماعهم الخبيثة في خيراته .
أ- هنالك فكرة رائجة و هي أن الشرق هو الولاية الإدارية أسورستان الفارسية و قد تبنى الحزب القومي السوري هذه الفكرة ونشر تعبير" سوريا الكبرى "!
و طبعا هذه تسمية سياسية خاطئة و ليست تسمية تاريخية لشرقنا الحبيب!
للأسف لا يزال كثير من المسيحيين المشارقة يخلطون بين تسمية سياسية و تسمية تاريخية و عدد كبير لا يزال يتوهم أن " سوريا الكبرى " هي تسمية تاريخية حقيقية !
ب - لقد تبنى العروبيون تسمية حديثة و هي " الهلال الخصيب " !
و بكل تأكيد هذه ليست تسمية تاريخية و لكنها تسمية خاطئة من القرن التاسع عشر تدعي بوجود وحدة جغرافية و سياسية تجمع العرب سكان شبه الجزيرة العربية مع شرقنا القديم .
يروج العروبيون هذا التعبير لأنه يخدم إيديولوجيتهم التي تدعي أن شبه الجزيرة العربية و شرقنا القديم كانتا موحدتين و أن العرب كانوا من سكان الشرق الأصيلين !
ج - ما هو أقدم ذكر لتسمية الشرق و ما هي جغرافيته ؟
*الأشوريون و الكلدان من بعدهم لم يستخدموا تسمية واحدة للإشارة الى الشرق القديم و طبعا لم يستخدموا لفظة " الشرق " في كتاباتهم .
و نفس الملاحظة الى الفرس فإنهم لم يستخدموا تسمية جغرافية موحدة لكل الشرق و هذا واضح من تسمياتهم الإدارية فهنالك مرزبانة أسورستان و مرزبانة بابل و مرزبانة العربية (شبه الجزيرة العربية)!
*لقد وجدنا في المصادر اليونانية القديمة إنها إستخدمت بكثرة تعبير " الشرق " كتسمية جغرافية و لكن من أجل الدقة يجب الإشارة الى أن تعبير " الشرق " و إن كان جغرافيا فهو ظل مبهما لا يشير الى منطقة جغرافية محددة !
*الرومان هم أول من إستخدم تعبير " الشرق " كتسمية جغرافية محددة و قد أخذوه من قدامى اليونانيين و ليس من تسميات شرقية قديمة كسوريا الكبرى أو سوريا الطبيعية الحديثتين !
د - تسمية " الشرق " في الإمبراطورية الرومانية و عند إنتشار المسيحية.
لقد أطلق الرومان تسمية " الشرق " على جميع المناطق التي كانت خاضعة لهم في شرقنا و هي العراق القديم و سوريا القديمة و بيت نهرين ( الجزيرة السورية ) و كيليكيا و إيصوريا !
و طبعا بلاد مصر كانت خاضعة للرومان و لكن تسمية " الشرق " لم تكن تشملها !
فقد كانت تؤلف ولاية رومانية مستقلة ... و يبدو أن الرومان قد تركوا ولاية فلسطين مستقلة عن ولايتي مصر و الشرق و إن كانت خاضعة عسكريا لحاكم إنطاكيا عاصمة الشرق !
لقد تقلص الحكم الروماني بعد الحكم الساساني الذي أبعدهم من مناطق عديدة من العراق القديم !
و كان المسيحيون المشارقة المتحدرين من السريان الآراميين خاضعين الى الإمبراطورية الرومانية في المناطق غربي الفرات و في بيت نهرين / الجزيرة ( شرق الفرات ) بينما كان المسيحيون في العراق القديم خاضعين للحكم الساساني .
بعد مجمع خلقيدونيا سنة ٤٥١م تقرر ضم فلسطين الى ولاية الشرق !
و نحن نعلم من خلال الوثائق الجغرافية المتعلقة ببطريكية إنطاكيا ما هي المناطق التي كانت ضمن " الشرق " ( أنظر الى الخريطة التاريخية المرفقة (.
بعض الملاحظات المهمة
*إن الرومان قد أزالوا التسمية الإسرائلية التاريخية القديمة و أطلقوا تسمية فلسطين الإدارية الجغرافية على المنطقة .
علما أن التسمية التاريخية فلسطو كانت تطلق على منطقة غزة الساحلية فقط !
*لقد أطلق الرومان تسمية " العربية السعيدة " على المناطق الواقعة شرقي نهر الأردن و كانت هذه المنطقة آرامية بسكانها و لغتها لأنها كانت مسكونة لمئات السنين بالأنباط الآراميين !
*للأسف الشديد بعض الباحثين مثل المؤرخ أسد رستم كانوا يؤكدون أن بطريركية إنطاكيا كانت يونانية و عربية و سريانية بسكانها!
وللأسف هذا الرأي هم مخالف للحقيقة التاريخية و قد توهم كثيرون من المسيحيين المستعربين أن شبه الجزيرة العربية كانت ضمن بطريركية إنطاكيا و ضمن شرقنا الحبيب !
*للتذكير فقط أن سكان العربية السعيدة كانوا من الأنباط الآراميين الذين إستعربوا مع الزمن !
فبطريركية إنطاكيا لم تكن عربية بسكانها و العنصر اليوناني كان في بعض المدن و في مناطق كيليكيا الأولى و الثانية و إيصوريا !
*دمشق كانت العاصمة لمنطقة فينيقيا الثانية : هذا لا يعني أن سكان دمشق كانوا من الفينيقيين لأننا نعلم أن هذه المدينة كانت آرامية قبل الرومان و بعدهم بمئات السنين !
التسميات الإدارية لا تغير هوية الشعوب !
ثانيا - من هم المسيحيون المشارقة و ما هي هويتهم التاريخية ؟
سؤال مزعج جدا خاصة للمسيحيين الذين يتوهمون أن هوية المسيحي الذي يعيش في لبنان هي مخالفة لهوية المسيحي الذي يعيش في العراق أو سوريا !
و بكل تأكيد هذا السؤال هو مزعج جدا لكل مسيحي شرقي لا يزال يتوهم أن له جذورا عربية و أن من حقه الطبيعي أن يدعي بعروبيته !
و للأسف بعض رجال الدين لا يزالون يدعون بأن المسيحيين هم عرب بدون برهين علمية !
أ - إمتداد تسمية مسيحيين مشارقة لتشمل إخوتنا الأرمن و الأقباط .
لقد توسع معنى الشرق في المفاهيم الحديثة و صار يشمل – حسب المفاهيم الأوروبية - مصر و إيران و شبه الجزيرة العربية و القوقاز...
أغلبية ساحقة من المسيحيين المشارقة تعتبر الشعب الأرمني و القبطي من المسيحيين المشارقة و هذا أمر طبيعي لأن مفهومنا لتسمية الشرق قد تطور في التاريخ الحديث !
و لكن من أجل الدقة فإن " الشرق " هو المنطقة التي كانت خاضعة لسلطة بطريركية إنطاكيا .
ب - هذا الموضوع ليس موجه الى السريان الذين يؤمنون بإيديولوجيات سياسية حديثة مزيفة لهوية أجدادهم مثل السريان الذين يرددون بدون تحقيق أن جذورهم هي أشورية !
هذه الإدعاءات الكاذبة تسمح لبعض السريان المستعربين في المضي بترديد طروحات عروبية غير علمية !
ج - المسيحيون المشارقة ينتمون الى الكنائس الإنطاكية التاريخية التي إستقلت و إنفصلت عن كنيسة إنطاكيا و بطركيتها و هم ينتمون بأكثريتهم الساحقة الى السريان الآ راميين .
د - لقد إنقسم السريان الى سريان شرقيين نسبة الى نهر الفرات و الى سريان غربيين !
و بعد اعلان الإمبراطور ديوكلسيان البيزنطي أن الديانة المسيحية هي الدين الرسمي في امبراطورته , عمد الفرس الى مضايقة السريان المشارقة مما أجبرهم على الإستقلام عن بطريركية إنطاكيا .
من المؤسف أن أتباع الكنيسة السريانية الشرقية قد إنفصلوا و أسسوا عدة كنائس مع تسميات كلدانية و أشورية حديثة و صار أتباع تلك الكنائس يدعون بهويات أشورية و كلدانية و بعض المتطرفين منهم صاروا يدعون بوجود لغات أشورية و كلدانية قديمة و حديثة!
( للتذكير لا يوجد لغة أشورية و كلدانية لا قديمة و لا حديثة ... السريان المشارقة يتكلمون اللغة السريانية المعروفة بالسورث و لكن تطرفهم يدفعهم الى تسميتها أشورية و كلدانية... (
هؤلاء الإخوة هم أسرى مفاهيمهم الخاطئة و لعلى البرهان الذي يوضح لنا مفاهيمهم الخاطئة هو القديس مار افرام السرياني الذي ولد في مدينة نصيبين عاصمة بيت عرباي الآرامية ( بعض رجال الدين السريان لا يزالون يدعون بجذور عربية لأنهم يتوهمون أن تسمية بيت عرباي تشير الى العرب القدامى !)
في بداية القرن الرابع و لكنه أجبر الى هجر مدينة أجداده و إنتقل الى الرها بعد سقوط نصيبين بيد الفرس سنة ٣٦٣ م!
الشيئ المؤلم أن القديس افرام الذي لقب بالسرياني هو أنه كان يعتبر جميع المسيحيين المشارقة ينتمون الى الآراميين و لا زلنا نرى بعض المتطفلين و المغامرين يعتبرون مار افرام أشوريا أو كلدانيا حسب مفاهيمه الخاطئة !
المصادر السريانية الشرقية تؤكد بشكل قاطع أن جميع مسيحيي العراق كانوا يؤمنون بأنهم سريان آراميين و لكن رجال الدين المعاصرين المنتمين الى هذه الكنائس السريانية لا يملكون شجاعة الأب المؤرخ البير أبونا الذي يؤكد إنتمائهم الآرامي في كتبه و أبحاثه العديدة !
ه - المسيحيون في بلاد سوريا / بلاد آرام القديمة و الجزيرة / بيت نهرين يتحدرون من الآراميين فهذه المناطق كانت آرامية بسكانها بأكثر من ١٥٠٠ سنة قبل إنتشار الديانة المسيحية بينهم !
و - نحن من خلال رابطة الأكادميين الآراميين ( ننتمي الى عدة كنائس سريانية أرثودكسية و كاثوليكية ) دعونا في الماضي الى إعتماد التاريخ الأكاديمي للعودة الى جذورنا الحقيقية !
و هذه الدعوة موجهة الى كل مسيحي مشرقي يريد معرفة جذوره التاريخية الحقيقية !
ز - المسيحيون المشارقة ينتمون بأكثريتهم الساحقة الى السريان الآراميين !
إخوتنا من أبناء كنيسة الموارنة و الروم هم أحفاد السريان الملكيين الذي تبعوا تعاليم مجمع خلقيدونيا بعكس السريان الأرثودكس الذين ناهضوا تعاليمه !
ح - لقد كانت منتشرة فكرة خاطئة في بداية القرن العشرين مفادها أن الشعب السرياني و القبطي و الأرمني كانوا يكرهون الشعب اليوناني و أرادوا الإستقلال من إمبراطوريتهم البيزنطية الظالمة!
و لكنني عندما سافرت الى فرنسا لإعداد أطروحة في جامعة السوربون " حول الأسباب الحقيقية لإستقلال الكنيسة السريانية الآرامية المناهضة لمجمع خلقيدونيا"إكتشفت أن السريان لم يناضلوا ضد اليونانيين من أجل أسباب قومية و لكن من أجل أسباب عقائدية و أن الشعب السرياني قد إنقسم الى قسمين في بطريركية إنطاكيا أي في شرقنا الحبيب :
* "السريان الملكيون " الذين حافظوا على تعاليم مجمع خلقيدونيا !
وهم أبناء كنائس الروم و الموارنة و فيما بعد الروم الكاثوليك و الإنجليين...
" *السريان المناهضون" و هم السريان الأرثودكس و فيما بعد السريان الكاثوليك و السريان الإنجليين !
ملاحظة صغيرة إن تأكيدنا أن هويتنا التاريخية هي سريانية آرامية لا تعني إننا ندعو بإنتمائنا الى عرق آرامي صافي !
لأننا نعلم جيدا إن بقايا شعوب عديدة قد إنصهرت و ذابت ضمن الآراميين أجدادنا !
ثالثا - هل الإدعاء بجذور عربية مزيفة هو خشبة خلاص المسيحيين المشارقة ؟
للأسف الشديد بعض المسيحيين المشارقة , يعيشون في مناطق مسيحية أو تركوا شرقنا الحبيب , لا يشعرون أبدا بما يعاني المسيحي الذي يعيش في العراق أو سوريا أو مصر و بعض الأحيان يوجهون " نصائح مضحكة " من نوع " إذا كنت تريد أن تكون سريانيا أصيلا أترك كل شيئ تملكه في أرض أجدادك في العراق و سوريا و إذهب و قاوم مثل المسيحيين في لبنان !"
المضحك في هذه النصيحة هو أنها تدعو الى إقتلاع الوجود المسيحي في الشرق من أجل تقويته في جزء منه و هو لبنان !
للأسف أن على " مسيحيي لبنان " المثقفين أن يتعلموا من تجاربهم و ضياعهم لهويتهم التاريخية كي يساعدوا مسيحيي الشرق في الحفاظ على مناطقهم التاريخية !
المضحك أيضا أن مسيحيي لبنان ليسوا " مستعدين " لقبول مسيحيي الشرق المضطرين الى هجره !
لقد وجدنا في الآونة الأخيرة أن عددا كبيرا من رجال الدين المسيحيين يجاهرون علنا - و بدون حياء - أن جذورهم هي عربية أو أن المسيحيين يتحدرون من العرب!
يرددون طروحات تاريخية غير علمية حيث يخلطون فيها تاريخ القبائل العربية المسيحية قبيل إنتشار الإسلام و تاريخ الغساسنة المسيحيين!
و في جميع الحالات لا يذكرون شيئا عن تلك القبائل المسيحية العربية بعد الإسلام !
سؤال مطروح هل المسيحيون المشارقة و رجال الدين منهم على الأخص يتوهمون أن " الإدعاء " بوجود مسيحيين عرب اليوم يخدم الوجود " المسيحي " في الشرق؟
الغاية لا تبرر الوسيلة و كل رجل دين من أية كنيسة كان يدعي بوجود مسيحي عربي هو ناكر لجذور أجداده!
قد يكون من حقه أن يكون " مسيحيا مستعربا " أو ناطقا باللغة العربية و لكنه لا يحق له أن يزيف هويتنا السريانية الآرامية التي إذا لم يسمع بها فهو لأنه متطفل على تاريخ الشرق !
المسلم العربي لا يستطيع أن يكون " أصيلا " عندما يكون محاطا- لا سمح الله - ببعض السريان و الأرمن و الأقباط الذين يؤكدون له خوفا منه بأنهم عرب أقحاح !
الإدعاء بوجود هوية عربية مسيحية ليس خشبة خلاص المسيحيين المشارقة بل هو الموت لهم بالتقسيط و على مراحل !
العودة الى جذورهم التاريخية هو خشبة خلاصهم لأنه رفض صريح للعروبة المزيفة و رغبة حقيقية في الحفاظ على هويتهم في كل مكان في العالم !
الى الكهنة الذين يتجاهلون هويتهم التاريخية عن غباء و يتوهمون أن قول المسيح " كونوا ودعاء كالحمام و حكماء كالحيات " لا يشفع بهم عندما يتنكرون لهوية أجدادهم من أجل مراضاة أية سلطة!
الشجاعة الحقيقية هي الدعوة الى دراسة أكادمية لهوية مسيحيي شرقنا الحبيب و ليس في تسريع ذوبانهم في العروبة و إلصاق الهوية العربية غير العلمية في تاريخ أجدادهم !



